محمد بن محمد ابو شهبة
145
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ولكنهم اختلفوا ، أحصل قتال من الملائكة أم لا ؟ فذهب الكثيرون إلى حصول القتال فضلا عن البشرى والتثبيت بإبقاء الخواطر الحسنة في قلوب المسلمين ، وذلك لقوله سبحانه : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ « 1 » . واستدلوا أيضا بالأحاديث والآثار الواردة في هذا ، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم - اسم فرس هذا الملك - ، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه ، وشق وجهه ، كضربة السوط ، فاخضر ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري ، فحدّث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة » . وروى ابن إسحاق عن ابن عباس قال : ( لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر ، وكانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون ) « 2 » ، وابن عباس وإن لم يكن حضر الموقعة يومئذ لصغره وعدم هجرته ، فلابد أن يكون سمع ذلك من رسول اللّه فيما بعد ، أو من مشيخة المهاجرين والأنصار . وذهب بعض العلماء إلى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ، وإنما كانت عونا ومددا ، تثبّت القلوب ، وتبشّر بالنصر ، وتكثّر العدد ، واستدلوا بقوله سبحانه : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ « 3 » ، وقوله : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ « 4 » . فقد ذكر اللّه هاتين الآيتين بعد آيات
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 12 . ( 2 ) صحيح مسلم بشرح النووي ج 12 ص 85 . ( 3 ) سورة الأنفال : الآية 10 . ( 4 ) سورة آل عمران : الآية 126 .